.

الهجرة النبوية..وقفات وتساؤلات!!

 

 

يحتفل العالم الإسلامي في كل عام بذكرى هجرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة.. تلك الهجرة التي كانت تاريخا لبدء التقويم الهجري ..فهو يوم عظيم في تاريخ الأمة.. يوم نصر للإسلام والمسلمين.. ولكن، هل نكتفي في هذا اليوم بتهنئة بعضنا البعض ببدء عام هجري جديد؟!.. أرى أنه لا بد من الوقوف قليلا مع هجرة الرسول.. لا بد أن نستذكر تلك الدروس والعبر التي نتعلمها من الهجرة.. ولن نسعد إلا إذا استفدنا منها و طبقناها في حياتنا.. لذلك أحببت أن نسترجع معا ونستذكر تلك اللحظات التاريخية من هجرة رسولنا الكريم.. التي تطرح أمامنا الكثير الكثير من التساؤلات التي تؤلم القلب.. وتوجع الضمير.. وتدمع لسماعها العين..

 

فبعد أن هاجر الصحابة إلى المدينة، بقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة التي تعرض فيها للكثير من الأذى.. وينزل جبريل يخبر الرسول الكريم بأن الله أذن له بالهجرة.. فليترك مكة وليغادرها لأن قريش قد اجتمعت واتفقت على قتله..

 

وقبل أن يهاجر الرسول يطلب من علي بن أبي طالب أن يؤدي الأمانات إلى أصحابها.. ومن هم أصحابها!!.. هم أهل قريش الذين كذّبوه وآذوه وهم الآن يتآمرون على قتله..ولكنها أموال الناس.. فالرسول وبالرغم من خطورة الموقف وشباب قريش الأقوياء على باب داره ينتظرون خروجه ليقتلوه.. لا ينسى أهمية إعادة الأمانات إلى أصحابها...

وأنت..هل تحرص على إرجاع الحقوق إلى اصحابها؟!  يا من يضيع الامانات انظر إلى الحبيب الأمين وهو يخاطر بحياته من أجل الأمانات..!!

 

ويطلب الرسول من ابن عمه علي بن أبي طالب أن ينام في فراشه.. ويضحي الرسول بأقرب الناس إليه.. ويمتثل علي كرم الله وجهه لأمر الرسول ويفديه بروحه.. فكان من الممكن أن يقتله المشركين وهو نائم في فراش الرسول.. ولكن علي استطاع مواجهتهم والرد على اسئلتهم رغم صغر سنه..

فهل أنت مستعد لتفدي رسولك الكريم بروحك؟ وهل من الممكن أن تضحي بأحد أبنائك أو أقاربك من اجل رسالتك ودينك وعقيدتك؟! هل فكرت أن تربي أبنائك على مثل هذه التضحيات من أجل العقيدة أو على الأقل على تحمل المسؤولية؟

 

و يذهب الرسول إلى أبي بكر الصديق ويخبره بما أخبره به جبريل، فيقول له أبو بكر: الصحبة يا رسول الله. فيقول الرسول: نعم، فيبكى أبو بكر من شدة الفرح..

جعلنا الله في صحبة رسول الله وسقانا من حوضه.. أبو بكر فاز بصحبة النبي في هجرته.. فماذا فعلت أنت لتفوز بصحبته في الجنة؟!

 

وعندما يخبر النبي أبا بكر أنه سيكون رفيقه في الهجرة، يقول له أبو بكر: فخذ بأبي وأمي إحدى راحلتي هاتين..فيقول رسول الله آخذها بالثمن.. يريد الرسول أن يدفع ثمن الراحلة ويكسب أجر ذلك.. يحرص على الأجر وهو الرسول..وقد غفر الله له..

فكم تحرص أنت على كسب الأجر بالطاعات والعبادات وفعل الخير وتثقيل ميزان حسناتك.. وتكفير ذنوبك وخطاياك؟!

 

ويتجه الرسول جنوبا ولا يتجه شمالا.. مع أن المدينة شمال مكة.. ولكن رسولنا العظيم المخطط البارع يأخذ بالأسباب ويعلم أن المشركين سيتجهون إلى طريق المدينة للبحث عنه..ويمشي الرسول مدة ساعتين ونصف حتى يصل إلى أعلى الجبل..ويجد هناك غار ثور.. وهو لم يكن يدري أنه سيجد هذا الغار في أعلى الجبل..

فلماذا لم يخبره جبريل بمكان الغار؟ ولماذا لم يؤيد بالبراق في هذه الرحلة الطويلة الشاقة؟!..ذلك لأن الرسول يجب أن يفكر ويخطط ويأخذ بالأسباب ومن ثم تأتي الرعاية والنصر من عند الله...ويريد أن يعلمنا الاتقان في العمل والتوكل على الله..

فيا من تنتظر الفرج والنصر من الله.. هل سعيت لذلك.. هل خططت لذلك.. هل قمت بما عليك ومن ثم توكلت على الله الوكيل.. هل تنتظر أن يحقق الله مطالبك وأمانيك وأنت قاعد مكانك؟!

 

وفي الغار ينام الرسول على رجل أبي بكر ، فيإتى عقرب ويلدغ أبا بكر فلا يصرخ حتى تسقط دمعة من عينيه على خد رسول الله فيقول له الرسول: مالك يا أبا بكر، فيقول: لدغتني عقرب يا رسول الله، فيسأله الرسول: ولِمَ لم توقظني؟ فيجيبه: أردت لك الراحة والنوم يا رسول الله أما أنا فأصبر..

وفي الطريق إلى المدينة يقرأ الرسول القرآن وأبو بكر يحيط به من كل جانب فيسأله رسول الله: أتخاف علي يا أبا بكر؟ فيجيبه: نعم يا رسول الله؟ فيسأله الرسول: أتموت فدائي؟ فيقول أبو بكر: نعم، فإذا مت فأنا رجل، أما إذا مت أنت فأنت أمة..

وأنت هل تتحمل المشاق والأذى من أجل نبيك المصطفى؟؟ هل تجعل حياتك ومالك فداء لحياته ولرسالته؟!

 

ويخطط الرسول لهجرته.. تخطيطا رائعا..ويأخذ الاحتياطات: فيخرج من خلف البيت، ويغادر بيته ملثما، ويختار من يدلهم على الطريق، ومن يأتي لهم بالطعام، ومن يمسح الآثار.. ومع ذلك تصل قريش إلى الغار..ولكن الله يحميه هو وأبا بكر ويمنع قريش من رؤيتهم فهو تعالى من يتحكم بالأبصار..والله لا يضيع عمل من يتوكل عليه .. فالرسول ما خرج إلا من أجل رسالته...ففراق مكة لم يكن سهلا على الحبيب فقد قال وهو يغادر مكة: " الله يعلم أنك أحب البلاد إلي .. ولولا أن قومي أخرجوني منها ما خرجت"..

وأنت..هل عرفت الله فأحببته وملأ قلبك الإيمان به.. وهل تفعل أي شيء يأمرك به ولو على حساب نفسك .. هل كنت لتترك ما تحب من أجله؟.. هل يملأ اليقين قلبك بأن الله لن يضيعك أبدا.. لأنك تعلم أن الله ينصر من ينصر دينه؟!

 

فهل عرفت الآن كم هي الرسالة غالية.. هل علمت كم تحمّل رسولنا الكريم من الجهد والتعب والمشاق لتصلك هذه الرسالة الغالية.. هل عرفت كم أوذي لتكون مسلما تعتز بدينك وبأمتك التي هي خير أمة أخرجت للناس.. وبعد ذلك: هل يحيا الرسول في قلبك؟!.. هل تصلي عليه كثيرا؟..هل تحبه أكثر من نفسك ومن مالك ومن أبنائك؟.. ماذا تعرف عنه!!.. هل قرأت سيرته وأخباره.. هل طبقت سنته.. هل تأدبت بأخلاقه و اتخذته قدوة لك في حياتك؟!..هل التزمت بتعاليم الإسلام وأحكامه التي جاهد من أجل أن تصل إليك؟!! هل تبكي شوقا للقائه كما بكى شوقا لك حين كان يجلس مع أصحابه ، فسألوه عن سبب بكاءه، فقال لهم :"إشتقت إلى إخواني"، قالوا :"ألسنا بإخوانك يا رسول الله؟!" قال لهم:"لا"،إخواني الذين آمنوا بي ولم يروني"!..

 

في مثل هذا اليوم.. لا بد أن تراجع نفسك.. وتتساءل: ماذا قدمت لدينك؟ ماذا قدمت لنبيك الذي تحمل الكثير من أجلك الكثير.. هل استفدت من دروس الهجرة وما فيها من العبر العظيمة.. هل عملت على تطبيقها في حياتك..؟؟

 

و صلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد..اللهم ارزقنا شفاعته يوم الحساب.. اللهم أوردنا حوضه.. واسقنا من حوضه شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبداً..

 

تحياتي

رنده النتشه

1/1/1429هـ

10/1/2008م