.

ديننا الإسلام.. منبع المهارات

 

 

 

ديننا الإسلام.. منبع المهارات

 

    لوحظ في السنوات الأخيرة.. الاهتمام بتدريب الأفراد على المهارات المختلفة التي تؤثر بشكل كبير على نجاح الفرد في حياته ودراسته وعمله وتعامله مع غيره .. كمهارات الاتصال وإدارة الوقت ومهارات التفاوض والإقناع والإلقاء وغيرها.. وبدأت الكثير من الجامعات والمعاهد بإعطاء العديد من الدورات في هذا المجال كمهارات مساندة لما يتلقاه الفرد من تعليم وخبرات عملية وأكاديمية.

 

    ومما يغفل عنه الكثيرون أن الدين الإسلامي ركز بشكل كبير على هذه المهارات، وحض الفرد على التحلي بها، وعلى تعلمها وضرورة إتقانها.. والقارئ لكتاب الله عز وجل وللأحاديث النبوية الشريفة ومن يستعرض دروس السيرة النبوية، يدرك تماما أن ديننا العظيم هو منبع لهذه المهارات وليس كما يعتقد البعض أنها مهارات أبدعها الغرب ووصلتنا من ثقافات الغير.. بل أن الدين الاسلامي وضّح للإنسان منهجا وسلوكيات ومهارات إن طبقها في حياته وسار عليها سيصل إلى أعلى مستويات النجاح، ويحقق الكثير من الإنجازات في حياته، ويؤثر في الناس ويكسب ودهم واحترامهم.. وقدوتنا في ذلك هو رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم.  لذلك لا بد أن ندرك قيمة ديننا العظيم ونستغل الكنوز والثروات التي أنعم الله بها علينا وأكرمنا بها مع هذا الدين العظيم.

 

    وتوضيحا لذلك، سأتحدث فيما يلي عن بعض هذه المهارات و الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة التي ركزت على أهمية هذه المهارات، ليهتم بها المسلم ويطبقها في حياته، ويعتز بدينه ويفخر بإسلامه،  فهي أساس نجاحه في الحياة الدنيا، ومكسب له في الحياة الآخرة..

 

ومن هذه المهارات:

مهارات إدارة الوقت (Time Management Skills):

فالوقت نعمة عظيمة، وأكد الرسول صلى الله عليه وسلم على أهميته في قوله-: "نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة، والفراغ؛ أي: إن كثيرًا من الناس عن إدراك أهمية هاتين النعمتين العظيمتين من المغبون الذي يشتري بأضعاف الثمن، أو يبيع بدون ثمن المثل.
وكذلك فإن الوقت مسؤولية كبرى، وتتجلَّى هذه المسؤولية عند السؤال عنها يوم القيامة
، فقد قال رسولنا العظيم صلى الله عليه وسلم
: " لا تزول قدمَا عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأَل عن أربع خصال:... وعن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟..."، فالمسلم عليه ألاَّ يفرِّط في وقته، بل يغتنمه ويحرص عليه، فهو أمانة سيُسأَل عنها يوم القيامة.  وكذلك حث الأسلام على اغتنام الوقت والتحذير من إضاعته: فمن روائع وعظه - صلَّى الله عليه وسلَّم - : "اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك".  فالعبادات لا تُؤدَّى إلا لمواعيد محدودة، ومواقيت معلومة لا تصحُّ إلا بها. : فقد كان - صلَّى الله عليه وسلَّم - محافظًا على وقته، مستثمرًا له في العبادة والطاعة، مقسمًا له ما بين حق الله، وحق أهله، وحق نفسه، وحق الناس. 

 

مهارات الإتصال  (Communication Skills): كثيراً ما نعاني من أزمة التفاهم أثناء اتصالاتنا مع الآخرين، وحيث أن عملية الاتصال  ضرورية ولازمة لنا في حياتنا اليومية وعليها نبني الكثير من قراراتنا، فقد أكد القران الكريم على ضرورة الاهتمام بالكلام الذي نتفوه به لخطورة آثاره، حيث يقول المولى عز وجل { مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } ، وكذلك يؤكد على أهمية الاستماع الجيد للقول حيث قال: { الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَاب }.

مهارات العرض والإلقاء
(Presentation Skills)

لا شك أن لأساليب العرض والإلقاء أهمية كبيرة في إيصال المعلومات بسهولة ووضوح إلى الآخرين، كما ذكر القرآن الكريم في قصة تكليف الله عز وجل لسيدنا موسى عليه السلام بإبلاغ الرسالة ودعوة الناس إلى توحيد الخالق، فطلب سيدنا موسى من ربه أن يرسل معه أخاه هارون عليه السلام لأنه أفصح لساناً وبالتالي سيكون أقدر على إيصال الرسالة إلى الناس، قال تعالى: { وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ } ، كذلك أكد رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام على أهمية العرض والإلقاء في الحديث الشريف في قوله: إن من البيان لسحرا.

 

مهارات التفاوض والإقناع (Negotiation Skills  ):  التفاوض: هو سلوك طبيعي يستخدمه الإنسان عند التفاعل مع محيطه، وهو عملية التخاطب والاتصالات المستمرة بين جبهتين للوصول إلى إتفاق يفي بمصالح الطرفي  ، فالتفاوض كأداة للحوار جوهر الرسالة الإسلامية والأسلوب القرآني خير دليل على ذلك كأفضل أسلوب للإقناع ، قال تعالى: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }، ويقول تعالى : { لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ }. وهذا من شأنه أن يؤدي إلى نشوء مواقف حوارية تفاوضية حقيقية تؤدي بدورها إلى تبلور مفهوم التسامح مع الاخر. وكذلك يظهر هذا الأسلوب في قوله تعالى عن التفاوض مع أهل الكتاب:  { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا }.

 

مهارات الاستماع  (Listening Skills):

وتعد مهارة الاستماع من المهارات المؤثرة في حياة الفرد, فالاستماع دلالة الإدراك الجيد, ونضج الشخص وذكاءه.. ولا شك أن الاستماع الجيد من مُستقبِل الرسالة هو الخطوة الأولى للتأثير التربوي والسلوكي، وإن حسن تلقي الرسالة يعتمد في المقام الأول على إحسان الاستماع إليها والإنصات, وقد أمر الله سبحانه في كتابه بالاستماع أكثر من مرة في سبيل بيان أهمية هذه الخطوة، فقال سبحانه: { وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا } . وقال: { وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا }.
وقد علّم القرآن العظيم ذلك كأدب شريف من آداب تلقي الرسالة القرآنية فأمر بالاستماع له والإنصات:
{ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }, كما زجر كل نافرٍ عن الاستماع، قال سبحانه: { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا }. بل لقد بشر الله عباده الصالحين الذين يحسنون الاستماع والعمل بما سمعوا، فقال سبحانه: { فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ }
.

 

مهارات صناعة القرار ( Decision Making Skills)

يحتاج العمل دوماً إلى القائد البصير الذي يستطيع اتخاذ القرار الصائب في الوقت المناسب والذي يدرس مدى المصالح والمفاسد المترتبة على قراره . فالقرار في الحقيقة عبارة عن اختيار بين مجموعة بدائل مطروحة لحل مشكلة ما أو أزمة أو تسيير عمل معين.
والقرآن الكريم يبين لنا في غير ما موضع أن القائد ينبغي له أن يستأنس بذوي الخبرة ثم عليه أن يتخذ قراره متوكلاً على الله سبحانه وتعالى يقول سبحانه : { فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ } وكذلك ان تتبعنا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم نتبين ملامح اتخاذ النبي لقراره ومن ذلك:
1- حرصه صلى الله عليه
وسلم على الشورى والاستفادة بمشورة الناس وإشعارهم أن القرار قرارهم.

2- إتاحة الفرص لإبداء الرأي من كل من عنده رأي أو خبرة

3-  محاولة تجديد القرار بالاستفادة بالعلوم الجديدة والأفكار المفيدة ومثاله ما أقره رسول الله صلى عليه وسلم لسلمان الفارس رضي الله عنه في حفر الخندق حول المدينة في غزوة الأحزاب وكان أمراً لا تفعله العرب في حروبها ولكنه كانت تفعله الروم وفارس ..
4- الثبات على القرار وتحمل عواقبه وعدم التردد بعد اتخاذ القرار .. ويظهر ذلك في غزوة أحد بعد ما استشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس فأشار عليه بعضهم بالخروج وبعضهم بالبقاء في المدينة .. فاختار النبي صلى الله عليه وسلم الخروج فلما لبس النبي صلى الله عليه وسلم ملابس الحرب قال الشباب : كأننا أكرهنا رسول الله على الخروج فقال صلى الله عليه وسلم :' ما كان لنبي إذا لبس لأمة الحرب أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين قومه' .وهو ظاهر في قوله سبحانه: 'فإذا عزمت فتوكل على الله
...' .

وبعد كل هذا، أما آن لنا أن نعتز بانتمائنا لهذا الدين، الذي ركز على حياة المسلم بكل تفاصيلها..  وحرص على إثراء حياتنا بالكثير من المهارات السلوكية التي تنمي شخصية الفرد وتساعده على إتقان ما يقوم به من عمل وتحقيق الأفضل. كذلك أدعو الجميع إلى الاهتمام بتطوير هذه المهارات لديهم، والدعوة إليها كسلوك وتطبيق إسلامي له قيمته في حياة الفرد وتعامله مع غيره من أفراد المجتمع، وجعلنا الله وإياكم دائما ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

 

-----

رنده النتشه

19-9-2011