.

الحب لا .. الرحمة نعم

 

 

 

الحــــب لا ... الرحمــــة نعـــم

بالرغم من قيمة مشاعر الحب عندي و عندكم معاشر القراء و القارئات ، وبالرغم من أن الحب يكاد يكون صنم هذا العصر الذي يُحرق له البخور ، ويُقدم له الشباب القرابين من دمائهم ، ويُقدم له الشيوخ القرابين من سمعتهم ، وتُرتل له الأناشيد ، ويُزمر له الزامر ، وتعمل بلاتوهات السينما وستوديوهات التليفزيون ، ليكون المعبود الأول والمقصود الأول ، والشاغل الأوحد والهدف الأوحد والغاية المثلى للحياة التي بدونها لا تكون الحياة حياة .

وبالرغم من أننا جميعا جناة أو ضحايا لهذا الحب ، وليس فينا إلا من أصابه جرح أو سهم أو حرق ، أو أصاب غيره بجرح أو سهم أو حرق .

بالرغم من هذه الأهمية القصوى ، والصدارة المطلقة لموضوع الحب في هذا الزمان ، فإني أستأذنكم في إعادة نظر وفي وقفة تأمل ، وفي محاولة فهم لهذا التيه الذي نتيه فيه جميعا شيوخا وشبابا وصبايا .

وأسأل نفسي أولا وأسألكم :

هل تعلمون لماذا يرتبط الحب دائما بالألم ، ولماذا ينتهي بالدموع وخيبة الآمال ؟!

دعوني أحاول الإجابة فأقول : إن الحب و الرغبة قرينان .. و إنه لا يمكن أن تحب امرأة دون أن ترغبها ، و لهذا ما تلبث نسمات الحب الرفافة الحنون أن تمازج الدم و اللحم ، و الجبلة البشرية فتتحول إلى ريح و إعصار و زوبعة ، حيث ينصهر اللحم و العظم في أتون من الشهوة العارمة ، و اللذة الوقتية التي ما تكاد تشتعل حتى تنطفئ .

هل أقول إن الحب يتضمن قسوة خفية ، وعدوانا مستترا ؟.
نعم هو كذلك إذا اصطبغ بالشهوة ، وهو لابد أن يتلون بالشهوة بحكم البشرية .

و المرأة التي تشعر أن الرجل استولى على روحها ، تحاول هي الأخرى أن تنزع روحه و تستولي عليها .. و في ذلك عدوان خفي متبادل، و إن كان يأخذ شكل الحب.
والمرة الوحيدة التي جاء فيها ذكر الحب في القرآن هي قصة امرأة العزيز التي شغفها فتاها ( يوسف ) حبّا.

فماذا فعلت امرأة العزيز حينما تعفف يوسف الصدّيق؟ و ماذا فعلت حينما دخل عليهما الزوج؟ لقد طالبت بإيداع يوسف السجن و تعذيبه.
(( قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25) )) ( يوسف )

و ماذا قالت لصاحباتها وهي تروي قصة حبها؟
(( وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ (32) )) ( يوسف )

إن عنف حبها اقترن عندها بالقسوة و السجن و التعذيب.

و ماذا قال يوسف الصدّيق؟
(( قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ (33) )) ( يوسف )

لأنه أدرك ببصيرته أن الحب سجن، و أن الشهوة قيد إذا استسلم له الرجل أطبق على عنقه حتى الموت.. و رأى أن مكثه في السجن عدة سنوات، أرحم من الخضوع للشهوة التي هي سجن مؤبد إلى آخر الحياة.

إن الحب لا يظل حبا صافيا رفافا شفافا، و إنما ما يلبث بحكم الجبلة البشرية أن يصبح جزءا من ثالوث هو: الحب و الجنس و القسوة، و هو ثالوث متلاحم يقترن بعضه ببعض على الدوام.

و لأن قصة الحب التي خالطتها الشهوة ما تلبث أن تنتهي إلى الإشباع في دقائق، ثم بعد ذلك يأتي التعب و الملل و الرغبة عند الإثنين في تغيير الطبق، و تجديد الصنف لإشعال الشهوة و الفضول من جديد.. لهذا ما يلبث أن يتداعى الحب إلى شك في كل طرف من غدر الطرف الآخر.. و هذا بدوره يؤدي إلى مزيد من الارتياب و التربص و القسوة و الغيرة، و هكذا يتحول الحب إلى تعاسة و آلام و دموع و تجريح.

و الحب لا يكاد ينفك أبدا عن هذا الثالوث.. (( الحب والجنس والقسوة )).. و هو لهذا مقضى عليه بالإحباط و خيبة الأمل، و محكوم عليه بالتقلب من الضد إلى الضد، و من النقيض إلى النقيض.. فيرتد الحب عداوة و ينقلب كراهية و تنتحر العواطف كل يوم مائة مرة.. و ذلك هو عين العذاب.

ولهذا لا يصلح هذا الثالوث أن يكون أساسا لزواج.. ولا يصلح لبناء البيوت، ولا يصلح لإقامة الوشائج الثابتة بين الجنسين.
ومن دلائل عظمة القرآن وإعجازه أنه حينما ذكر الزواج، لم يذكر الحب وإنما ذكر المودة والرحمة والسكن.

سكن النفوس بعضها إلى بعض.
وراحة النفوس بعضها إلى بعض.
وقيام الرحمة وليس الحب.. والمودة وليس الشهوة.

(( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً )) ( الروم – 21 )

إنها الرحمة والمودة.. مفتاح البيوت.

والرحمة تحتوي على الحب بالضرورة.. والحب لا يشتمل على الرحمة، بل يكاد بالشهوة أن ينقلب عدوانا.

والرحمة أعمق من الحب و أصفى و أطهر.
والرحمة عاطفة إنسانية راقية مركبة، ففيها الحب، وفيها التضحية، وفيها إنكار الذات، وفيها التسامح، وفيها العطف، وفيها العفو، وفيها الكرم.

وكلنا قادرون على الحب بحكم الجبلة البشرية.
وقليل منا هم القادرون على الرحمة.
وبين ألف حبيبة هناك واحدة يمكن أن ترحم، والباقي طالبات هوى ونشوة ولذة.

ولذلك جاء كتاب الحكمة الأزلية الذي تنزل علينا من الحق.. يذكرنا عند الزواج بالرحمة والمودة و لسكن.. ولم يذكر كلمة واحدة عن الحب، محطما بذلك صنم العصر ومعبوده الأول، كما حطم أصنام الكعبة من قديم.

والذين خبروا الحياة وباشروا حلوها ومرّها، و تمرسوا بالنساء يعرفون مدى عمق وأصالة وصدق هذه الكلمات المنزلة.

وليس في هذه الكلمات مصادرة للحب، أو إلغاء للشهوة وإنما هي توكيد، وبيان بأن ممارسة الحب والشهوة بدون إطار من الرحمة والمودة والشرعية هو عبث لابد أن ينتهي إلى الإحباط.

والحيوانات تمارس الحب والشهوة وتتبادل الغزل.
و إنما الإنسان وحده هو الذي امتاز بهذا الإطار من المودة والرحمة والرأفة، لأنه هو وحده الذي استطاع أن يستعلي على شهواته؛ فيصوم وهو جائع و يتعفف وهو مشتاق.

و الرحمة ليست ضعفا وإنما هي غاية القوة، لأنها استعلاء على الحيوانية والبهيمية و ظلمة الشهوانية.

الرحمة هي النور و الشهوة هي النار.
وأهل الرحمة هم أهل النور والصفاء والبهاء، وهم الوجهاء حقا.

والقسوة جبن والرحمة شجاعة.
ولا يؤتى الرحمة إلا كل شجاع كريم نبيل.
ولا يشتغل بالانتقام و التنكيل إلا أهل الصغار والخسة والوضاعة.
والرحمة هي خاتم الجنة على جباه السعداء الموعودين من أهل الأرض.. تعرفهم بسيماهم وسمتهم ووضاءتهم.

و لامة الرحيم هي الهدوء والسكينة والسماحة، ورحابة الصدر، والحلم والوداعة والصبر والتريث، ومراجعة النفس قبل الاندفاع في ردود الأفعال، وعدم التهالك على الحظوظ العاجلة والمنافع الشخصية، والتنزه عن الغل وضبط الشهوة، وطول التفكير و حب الصمت والائتناس بالخلوة وعدم الوحشة من التوحد، لأن الرحيم له من داخله نور يؤنسه، ولأنه في حوار دائم مع الحق، وفي بسطة دائمة مع الخلق.

والرحماء قليلون، وهم أركان الدنيا وأوتادها التي يحفظ بها الله الأرض ومن عليها.
ولا تقوم القيامة إلا حينما تنفد الرحمة من القلوب، ويتفشى الغلّ، وتسود المادية الغليظة، وتنفرد الشهوات بمصير الناس، فينهار بنيان الأرض وتتهدم هياكلها من القواعد.

اللهم إني أسألك رحمة..
اللهم إني أسألك مودة تدوم..
اللهم إني أسألك سكنا عطوفا و قلبا طيبا..
اللهم لا رحمة إلا بك ومنك